أبو حامد الغزالي
48
تهافت الفلاسفة
الثالثة - أن يعتقد فىّ أنى من أهل البصيرة بالميزان ، ومن لم يؤمن بأنك من أهل الحساب ، لا يمكنه أن يتعلم منك . وأما البله وهم جميع العوام ، وهؤلاء هم الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق ، فأدعوا هؤلاء إلى اللّه بالموعظة ، كما ادعوا أهل البصيرة بالحكمة ، وأدعو أهل الشغب بالمجادلة . وقد جمع اللّه سبحانه وتعالى هذه الثلاثة في آية واحدة حيث قال : « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن » فعلّم أن المدعو إلى اللّه تعالى بالحكمة قوم ، وبالموعظة قوم ، وبالمجادلة قوم ؛ فإن الحكمة إن غذّى بها أهل الموعظة أضرّت بهم ، كما تضر بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير ، وأن المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها ، كما يشمئز طبع الرجل القوى من الارتضاع بلبن الآدمي ، وأن من استعمل الجدال مع أهل الجدال لا بالطريق الأحسن ، كما تعلم من القرآن ، كان كمن غذّى البدوي بخبز البر ، وهو لم يألف إلا التمر ، أو البلدي بالتمر ، وهو لم يألف إلا البر . وأما أهل الجدل فهم طائفة فيهم كياسة ، ترقوا بها عن العوام ، ولكن كياستهم ناقصة ؛ إذ كانت الفطرة كاملة ، ولكن في باطنهم خبث وعناد ، وتعصب وتقليد ؛ فذلك يمنعهم عن إدراك الحق ، وتكون هذه الصفات أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا . وإني أدعوهم بالتلطف إلى الحق ، وأعنى بالتلطف ألا أتعصب عليهم ولا أعنفهم ، ولكن أرفق وأجادل بالتي هي أحسن » وفي هذا ما يشير إلى أن الغزالي يقدم للناس ألوانا مختلفة من المعرفة ، وإلى أن من الناس طائفة تخفى عليهم الحقيقة لعدم طاقتهم إياها ، لهذا فهو يقف منهم الموقف الذي يرى أن الشرع أمر به ، وهو مخاطبة الناس على قدر عقولهم ، وكثيرا ما ردد في كتبه ذلك الأثر « خاطبوا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذّب اللّه ورسوله ؟ » بل إن الغزالي ليدل على ذلك صراحة فيقول « 1 » :
--> ( 1 ) ميزان العمل .